قال ابن عباس- فيما رواه ابن أبي حاتم-: «آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق» .
واقتصر جماعة (وهم ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة ومقاتل بن حيان) على القول: بأنهم لا يقومون يوم القيامة. وإنما عبّر بالقيام لأنه أبرز مظاهر النشاط في ممارسة العمل.
وذلك لأنهم فهموا خطأ وتصوروا باطلا أن الرّبا مثل البيع، أي أن الزّيادة الرّبوية عند حلول أجل الدين آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد لأن العرب كانت لا تعرف إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دينها قالت للغريم (المدين) : إما أن تقضي، وإما أن تربي، أي تزيد في الدّين، فحرّم الله سبحانه ذلك عليهم.
وبعبارة أخرى: كما يجوز لك أن تبيع الشيء في الحال نقدا بدرهمين، فلماذا لا يصحّ أن تأخذ درهما في وقت الحاجة، ثم تدفع في وقت اليسار درهمين؟! وسبب الزيادتين واحد وهو الأجل.
فردّ الله تعالى عليهم وأبان قياسهم الفاسد بقوله الحق: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ الرِّبا أي أن البيع لا يكون إلا لحاجة وهو معاوضة لا غبن فيه، والرّبا محض استغلال لحاجة المضطر، وليس له مقابل ولا عوض، فقياسهم فاسد، فمن يشتري شيئا من الطعام ويدفع ثمنه في الحال، هو محتاج إليه في الأكل أو البذر أو أي انتفاع يصون به حياته وجسده، أما من يرابي، فلا يعقد عقد معاوضة، وإنما يأخذ الزّيادة عن أصل الدّين وقت حلول أجل الوفاء بدون مقابلة شيء، بل إن المصارف اليوم تشبه في عملها أفعال الجاهلية بتجميع الفوائد المتراكمة أو المركّبة، وأخذ الفائدة وفائدة الفائدة مع مرور السنوات، فصار حملة أسهم المصرف يأكلون الرّبا أضعافا مضاعفة، وأخذ هذه الزّيادة وتوابعها ظلم موجب للإثم والمعصية الكبيرة.
فمن بلغه تحريم الرّبا، فانتهى عمّا كان يفعله، فله ما سلف أخذه من الرّبا في الجاهلية، وأمره بالعفو عنه أو بالحكم فيه بالعدل، وإسقاط التّبعة عنه يوم القيامة إلى الله تعالى.
ومن عاد إلى أخذ الرّبا بعد تحريمه، فقد استوجب العقوبة، واستحقّ الخلود في نار جهنم. والمراد بالخلود هنا: المكث الطويل إذا كان الفاعل مؤمنا، وعبّر به تغليظا لفعله.