فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا الْآيَاتِ ، يُحْمَلُ الرِّبَا فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي النَّهْيِ الْأَوَّلِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ إِعَادَةِ الْمَعْرِفَةِ وَوِفَاقًا لِقَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَيَدْعَمُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِالصَّدَقَةِ حَيْثُ ذُكِرَ وَتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ - وَهُوَ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَعْلَمُهُمْ بِالرِّوَايَةِ - رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً فِي ذَلِكَ أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ . وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الرِّبَا هُوَ أَشَدُّهُمْ ضَرَرًا وَهُوَ مَذْمُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ ، بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ فِي قَوَانِينِ الْأُمَمِ الَّتِي تُبِيحُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ ، فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ ، فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلِ قَصْدًا وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةٌ ، فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دِينَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ . وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً ، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدَمٌ مُحْتَاجٌ ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ ،