إن الشريعة تهتم بالصيغة أو الصورة التي يتم بها العقد وتحكم عليه، وللدكتور يوسف القرضاوي مثل يوضح ذلك جيدا، وهو: أن صورة الاتفاق مهمة جدا فِي حكم الشرع فيقول:"لو قال رجل لآخر أمام ملأ من الناس: خذ هذا المبلغ، واسمح لي أن آخذ ابنتك لأزني بها - والعياذ بالله - فقبل، وقبلت البنت لكان كل منهما مرتكبا منكرا من أشنع المنكرات، ولو قال له: زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهرا فقبل، وقبلت البنت لكان كل من الثلاثة محسنا". (6)
والذي يتدبر تعريفات الفقهاء والعلماء للربا يوقن أن التراضي بالزيادة على رأس المال لا يغير فِي حقيقة أنه ربا، فيقول الجصاص:"والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به". (7) فهل التراضي مع مصرف من البنوك بوضع مبلغ معين لديه مقابل فائدة أو عائد معين فِي الشهر أو العام زيادة على رأس المال يخرج عن هذا؟
وإذا كان فضيلته يخصص هذا التراضي"بحدود شريعة الله تعالى التي شرعها سبحانه لرعاية مصالح الناس" (8) فهل الشريعة تبيح هذا النوع من التعامل حتى مع التراضي؟ ويجدر بنا أن نذكر هنا أن فضيلته ذكر نص الإمام الجصاص فِي كتابه معاملات البنوك. (9) كنص من النصوص التي نقلها من كتاب"الربا والمعاملات فِي الإسلام"للشيخ محمد رشيد رضا كدليل على أن هذا هو ربا الجاهلية.
أليس معنى هذا النص هو القرض أو الاقتراض إلى أجل معين بزيادة معينة على رأس المال المقترض بتراضي الطرفين؟ وهذا هو ما تفعله البنوك الربوية.
الدليل الثاني:
قياسه بجواز تحديد الربح مقدمًا بأمر من ولي الأمر على ما قاله الفقهاء فِي التسعير، وذلك إذا اقتضت مصلحة الناس هذا؛ وذلك رعاية لمصالح الناس، وحفظا لأموالهم وحقوقهم، ومنعا للنزاع والخصام بين البنوك والمتعاملين معها. (10)
(6) بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية فِي ضوء النصوص والقواعد الشرعية د. يوسف القرضاوي ص 29، 111 - مكتبة وهبة ط الثانية سنة 1407 هـ/1987 م.
(7) أحكام القرآن للجصاص جـ 1، ص 635 - ط دار الفكر سنة 1414 هـ/ 1993 م.
(8) معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ص 126.
(9) السابق نفسه: ص 98.
(10) انظر: معاملات البنوك وأحكامها الشرعية ص 137، 138.