وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (( جاء بلال إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتمر برميّ -نوع من التمر أصفر مدوّر، وهو أجود أنواعه- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبِعت منه صاعين بصاع؛ ليطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: أوه -وهي كلمة تقال عند التوجع- فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم: عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردتَ أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتريه ) )رواه البخاري ومسلم.
والحكمة في تحريم هذا النوع من التعامل منع الغبن والشعور بالظلم، فيقول صاحب التمر الجيد مثلًا في نفسه: ظلمني المشتري؛ إذ أخذ مني الصاع
بصاعين، مع أن صاعي من التمر يساوي أكثر من صاعين، وربما يقول المشتري: إن صاع البائع أقلّ من الصاعين اللذين دفعتهما له ثمنًا لتمره، فلا يقع التراضي الذي هو ركن من أركان البيع، ويحلّ محله الخصام والمشاحنة، والإسلام -كما عرفنا- حريص كل الحرص على المحافظة التامة على الإخاء والصفاء بين أفراد الأمة الإسلامية.
هل يباح الربا القليل؟ وما المراد من قوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (آل عمران: 130) ؟
ذهب بعض ضعفاءِ الإيمانِ من مسلمي هذا العصر، إلى أنّ الربا المحرم إنما هو الربا الفاحش، الذي تكون النسبة فيه مرتفعة، ويقصد منه استغلال حاجة الناس، أمّا الربا القليل الذي لا تتجاوز نسبته اثنين أو ثلاثة في المائة فإنه غير محرّم، ويحتجون على دعواهم الباطلة بأن الله -تبارك وتعالى- إنما حرّم الربا إذا كان فاحشًا؛ حيث قال -تبارك وتعالى-: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (آل عمران: 130) فالنهي إنما جاء مشروطًا ومقيدًا بهذا القيد، وهو كونه مضاعفًا أضعافًا كثيرة، فإذا لم يكن كذلك، وكانت النسبة فيه يسيرة، فلا وجهَ لتحريمه.
وللجواب على ذلك يقول الصابوني في كتابه (روائع البيان في تفسير آيات الأحكام) :