ولو سوغت كل أمة أن تقارف ما تريد بمقدار ما يهيئ لها ضعف غيرها من الحرية فِي بسط يدها لكان من ذلك فتنة فِي الأرض وفساد كبير .
وإن كل أمة اضطربت فيها الموازنة بين الحرية والمنفعة ، فإنما يكون ذلك حاضر تاريخها
مبدأ العبودية لغيرها ؛ وهذا الأصل أرقى ما انتهت إليه علوم الاجتماع لهذا العهد .
وكذلك كل ما فِي آداب القرآن الكريم من الأمر والنهي ، فإنما يراد به ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بين ؛ ولولا ذلك ما كانت هذه الآداب زمنية تحيي روح الزمن كله ،
بل لكانت من غير هذا العالم ، فلا يستقيم لها بشيء ولا تستقيم هي لشيء ثم لا تكون فِي الناس إلا عنتاً وإرهاقاً ولا يتهيأ معها صرف ولا عدل ، ولا يكون منها فِي الزمن إلا اسمها ، وإلا الخبر أنها كانت يوماً فتلحق فِي التاريخ بباب الفضائل الذي لا يلجه إلا القليل ، مع أن وراءه كل
أسماء الحكماء والفلاسفة .
والإنسان إنما يصرف ما يشاء من النواميس الثابتة لعالَم المادة فيما يرجع بالنفع والضرر ، فإذا أطلقت يده فِي ذلك فكأنه جزء ناقص من نظام الكون ؛ أو جزء يتقصه شيء من هذا النظام ؛ بيد أن
الآداب إذا أحكمت صلته بذلك العالم المادي على وجه بيّن حلاله وحرامه ، فلا ينحاز إلا فِي حد من الحدود المرسومة ، ولا يبغي شيئاً لم تتعين تبعته ، ولا يستدخل فِي أمر إلا وهو فِي ربقةٍ من
نظامه الاجتماعي فإنه يكون قد استكمل حينئذ ما كان ينقصه ، أو ما كان يجعله ناقصاً إن خلا منه ، وما دامت الحياة مادة ، فللمادة حكمها فِي الحياة .
وما تدبر هذا القرآن أحدَ قط إلا وجده يطلق لكل إنسان - على القوة والضعف والعزة والذلة
-إرادة اجتماعية أساسها الفضيلة الأدبية: حتى لا تكون بطبيعتها إلا جزءاً من الشريعة التي هي فِي الحقيقة إرادة المجموع ، ولقد كانت تلك الإرادة الاجتماعية هي الحلم السماوي الذي أطبق عليه