لا غَرْوَ كان هذا القرآن من أجل ذلك إنما يصف جمل الآداب ، أي الكليات الأدبية التي تلائم الفطرة فِي مختلف أزمانها ، ولا يقرر الأخلاق تقريراً وضعياً على أسلوب الكتب والمصنفات ، فيضعها على أن لها قواعد وضوابطَ وأشباهَ القواعد والضوابط ، مما هو مثار
الاختلاف ومَبعثُ الفرقة فِي مذاهب الحكماء ، ومما لا تكون الآداب معه إلا معادة على الناس فِي كل عصر بنوع من التنقيح وضرب من التغيير يناسبان اختلاف كل عصر عن الذي قبله ، بل أن
المعجزة فِي هذه الآداب الكريمة أنها تقرر الأخلاق تقريراً عاماً ، فيصفها القرآن على أنها هي
القواعد لغيرها ، والضوابط لما يُبْتَنى عليها ، ويوردها فِي أحسن الحديث ؛ ويعترض بها وجوه
القصص ويقلبها مع أغراض الكلام ثم لا يكون فِي ذلك وجهَ من وجه الخلاف بينها وبين الفطرة الإنسانية ، على ما فِي تلك الآداب من الإطلاق ، وعلى أنها غيرُ ملحوظ فيها دولة بعينها أو أمة
بأوصافها ، أو نحو ذلك من ضرور الحدّ والتعيين ؛ فليس فيها من روح الزمن إلا روح الزمن كله بحيث لا يتأتى للفيلسوف ولا المؤرخ إلى أن يردها أحدهما أو كلاهما فِي جملتها إلى عصر بعينه
لا تعدوه ، أو يقصرها على حد تَقفُها عنده الإنسانية وتتقدم بغيرها مما يقال فيه إنه الأصلح أو الأنفع ، ولو أن الدهرَ قد فني ثم نزع من كل أمة شهيد وعُرضت عليهم آدابُ القرآن فقابلوها
بفضائل آدابهم واعترضوا بعضَ ذلك ببعضه ثم قيل هاتوا برهانكم عليها ، لأقرَّ الزمن بألسنتهم جميعاً أنها الحق وأن الحق لله .
من أجل ذلك تجد الخطاب الأدبي مطلقاً فِي القرآن كله كأنه نظام إنساني عام لا يراد به إلا حرية المنفعة للنوع كله ، ثم الموازنة بين مقدار هذه المنفعة وبين مقدار الحرية التي تنال بها ،
ليكون كل شيء فِي نصابه الاجتماعي ، فإن إطلاق الحرية عبث ، وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار ،