والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء ، فِي سببه وعلاجه . وأما صرع الأرواح ، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه . ويعترفون بأنه علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة . فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها . وقد نص على ذلك بقراط فِي بعض كتبه . فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة . أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج . وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة ، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر فِي بدن المصروع . وليس معهم إلا الجهل . وإلا فليس فِي الصناعة الطبية ما يدفع ذلك . والحس والوجود شاهدٌ به . وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق فِي بعض أقسامه لا فِي كلها . وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي . وقالوا: إنه من الأرواح . وأما جالينوس وغيره . فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث فِي الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ . وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها . وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده . ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم . وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج . فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها . والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان . فإن هذا نوع محاربة ، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحاً فِي نفسه جيداً ، وأن يكون الساعد قوياً . فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل ، فكيف إذا عدم الأمران جميعاً ، بكون القلب خراباً من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ،