اللهم لك الحمد، على غني؟ لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق. فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: إن صدقتك قد قبلت. وأما الزانية، فلعلها أن تستعفف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته».
ولكن لا ينبغي أن يغيب عنا، أنه لئن رخص الله لنا أن ننفق على كل خلق الله، فلقد ندبنا أن نخص بها الأقرب، والأتقى، والأورع. مر معنا مثل هذا من قبل. وفي الآية التالية بيان.
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ ... أي: هذه الصدقات، الأولى أن تدفعوها للفقراء الذين اتصفوا بالصفات التالية: الإحصار في سبيل الله، والعجز عن الكسب، والتعفف،
والسيما الدالة، وعدم الإلحاح في المسألة. فإذا اجتمعت هذه الصفات، فأصحابها أولى الناس بالصدقات. فإذا اجتمعت أربع صفات منها، يكون أصحابها في الدرجة الثانية. فثلاثة، فدرجة ثالثة. فاثنتان، فدرجة رابعة. فواحدة مع الفقر، فصاحبها أولى. ثم الفقراء فيما بعد. فإذا اتضح هذا، فلنشرح الآية:
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: الذين أحصرهم الجهاد، فمنعهم من التصرف. لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ. أي: لا يستطيعون سفرا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض: هو السفر. وسبب احتباسهم، إما انقطاع للعلم، أو عدم حيلة، أو تفرغ لأمر من أمور المسلمين. يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي: يحسبهم الجاهل بحالهم، مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة.
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ. أي: بصفاتهم التي تدل على حالهم، من صفرة الوجوه، ورثاثة الحال. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي: إلحاحا. والإلحاح: هو لزوم المسئول وعدم مفارقته إلا بشيء يعطاه. قيل في تفسير هذه الصفة: إنهم لا يسألون أصلا. وقيل إنهم إن سألوا، سألوا بتلطف. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: وما تنفقوا من مال، فإن الله يعلمه، ولا يضيع عنده.
فوائد: