-وفي الآية الثانية، يمدح تبارك وتعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله ثم لا يتبعون ما أنفقوا في الخيرات، والصدقات منا على من أعطوه. فلا يمنون به على أحد، لا بقول، ولا بفعل. ولا يؤذونه، بأن يفعلوا مع من أحسنوا إليه مكروها. وبين أن من كان كذلك، فله الجزاء الجزيل؛ الذي عبر عنه تعالى بقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: أي ثوابهم على الله، لا على سواه. ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها. لا يأسفون عليها؛ لأنهم صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك. وهذه العبارة تستعمل في القرآن عادة، في معرض مكافأة أولياء الله، فدل ذلك على أن من أنفق فلم يمن ولم يؤذ؛ كان من أولياء الله. فهذا المقام إذن، مقام ولاية.
-وفي الآية الثالثة بين الله عزّ وجل أن القول المعروف، كالكلمة الطيبة، للمسلم. وأن العفو عن أخيك، إذا ظلمك ظلما قوليا، أو فعليا، خير في ميزان الله، من الصدقة المتبوعة بالأذى، ثم وصف الله عزّ وجل ذاته بأنه غني عن عباده؛ فلم يأمرهم بالنفاق افتقارا. فهو يخلف على من أنفق من خزائنه الملأى، وأنه حليم يحلم عنهم ويغفر ويصفح، ويتجاوز عن عباده إن شاء.
المعنى الحرفي:
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ. أي: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أخرجت ساقا، يتشعب منه سبع شعب لكل واحد سنبلة ... وهذا التمثيل تصوير للأضعاف، كأنها ماثلة بين عيني الناظر. والتمثيل يصح وإن لم يوجد على سبيل الفرض والتقدير. وقيد بعضهم سبيل الله الذي تضاعف فيه الصدقة بأنها الجهاد والحج.
والنصوص تشهد على أن المضاعفة للإنفاق كله، كما سنرى. فسبيل الله هنا، أوسع من أن يكون جهادا وحجا فقط. وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق. لتفاوت أحوال المنفقين. ويمكن أن تفهم بمعنى: