والخطاب في {تَعْرِفُهُمْ} عام للرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره ممن يَنْظُر حالهم.
{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : أي لا يسألون الناس مُلِحِّين في السؤَال، كعادة الفقراء.
والمراد: أنهم لا يسألون الناس أصلا، كما قاله ابن عباس.
ومن أجل ذلك جُهِل حالهم، ولم يُعْرَفوا إلا استنباطا من علاماتهم.
فالنفي هنا موجه، للأمرين جميعًا: السؤال، والإلحاح.
وإلى هذا ذهب الفراءُ، والزجاج، وأكثر المفسرين.
وقيل المراد، أنهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة - لم يلحوا.
والأول هو الراجح.
{وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} :
فيجازيكم عليه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، وهو ترغيب في الإنفاق عمومًا، وعلى هؤلاء خصوصًا.
أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لَيْسَ المسكين الَّذي تردُّهُ التمرةُ والتَّمرتان، واللُّقمةُ واللُّقمتان، إنما المسكين الذي يَتعفَّفُ، واقرءوا إن شئتم قوله تعالى:"
{لَا يَسْأَلُون النَّاسَ إِلْحَافًا} .
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) } .
التفسير
274 - {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ... } الآية.
لما بين الله في الآية السابقة أَوْلَى الناس بالصدقة، بيَّن في هذه أَكْملَ وجوه الإنفاق.
سبب النزول:
أخرج ابن المنذر، عن ابن المسيب: أن الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، في نفقتهم في جيش العسرة.
وَرُوِيَ غَيْرُ ذلك.
والآية عامة الحكم، وإن نزلت بسبب خاص.
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) :
أي في جميع الأوقات، فلا يخصون وقتا دون وقت.
(سِرًّا وَعَلَانِيَةً) : أي في جميع الأحوال، فلا يلتزمون حالا معيَّنَةً.
(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) : اللائق بهم.
(عِندَ رَبِّهِمْ) : في دار كرامته.
(وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) : من لحوق مكروه بهم.