ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله {الذين أحصروا فِي سبيل الله} أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد فِي سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد فِي عرف القرآن ، ولأن وجوب الجهاد فِي ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين . وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي ، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات فِي الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة ، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله . الثانية {لا يستطعيون ضرباً فِي الأرض} أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة ، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر ، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه . الثالثة {يحسبهم} يظنهم {الجاهل} بحالهم ومن لم يخبر أمرهم {أغنياء من التعفف} من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم . والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه . الرابعة {تعرفهم} أي أنت يا محمد أو كل راء {بسيماهم} والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه"عفلى"قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع . الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر . الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع . أبو زيد: رثاثة ثيابهم . وقيل: المهابة فِي العيون . وقيل: آثار الفكر . روي أنه صلى الله عليه وسلم كان كثير الفكر . الخامسة {لا يسألون الناس إلحافاً} أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له . والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور . عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السآل الملحف"قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا ، وأورد عليه أنه