"اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم"بل الواجب حينئذٍ هو الوسط . ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق فِي الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً ، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص ، ومعنى {لا تيمموا الخبيث} لا تقصدوه . يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته . ومحل {تنفقون} نصب على الحال ، وقدم {منه} عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان فِي المال طيب وخبيث . ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: {ولا تيمموا الخبيث} ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: {منه تنفقون} وحالكم أنكم لا تأخذونه فِي حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء . يقال للبائع: أًغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر . وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك ، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن . عن الحسن: لو وجدتموه فِي السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه . {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم {حميد} محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي ، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: {فأولئك كان سعيهم مشكوراً} [الإسراء: 19] ثم إن الله تعالى لما رغب فِي أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق ، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: {الشيطان يعدكم الفقر} أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء . والوعد يستعمل فِي الخير والشر . قال تعالى: {النار وعدها الله الذين كفروا} [الحج: 72] ويمكن أن يكون استعماله فِي الشر محمولاً على التهكم مثل فبشرهم