وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} يقول: من أعطى من ماله واتقى وصدق بالخلف من الله فسنيسره للخير.
وأما من بخل واستغنى عن ربه وكذب بالخلف فسنيسره للعسرى، يقول: للشر.
فثبت بجميع ما ذكرت أن الجود من مكارم الأخلاق والبخل من أرذلها.
وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، والبخل الذي لا يمنع لا في موضع العطاء.
لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في غير موضع العطاء.
فكل من استفاد مما يعطي أجراً أو حمداً فهو جواد، ومن استحق بالمنع ذماً أو عقاباً فهو البخيل ومن لم يستفد بالعطاء أجراً ولا حمداً، أو استوجب به ذماً فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم.
ومن لم يستوجب بالمنع عقاباً ولا ذماً، أو استوجب به حمداً فهو من أهل الرشد الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم بحسن تدبيرهم وسد أدزائهم، ولا يقال لهذا بخيل.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - في الحث على الجود وذم البخيل قال: «لا تنهمكوا على غير ما بكم» أي لا تستقصوا عليهم فتستوفوا جميع الحق ولا تدعوا منه شيئاً.
وجاء عنه في البخل، قال - صلى الله عليه وسلّم -: «من شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع» .
الهالع المحزن.
والخالع المخيف، الذي يخلع القلب من شدته يقال: أقبل الفصل لبن أمه إذا استنفذه، فلم يبق الثدي شيئاً.
قلت: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك إذا كان في الاستيفاء أبعاد الغريم.
قال - صلى الله عليه وسلّم -: «إن الله يبغض البخيل في حياته، الشحيح عند موته» وإذا قد ظهر الجود والبخل فليتكلم على علة مدح الجواد وذم البخيل، فيقول إن الجواد متأدب بأدب الله، فإن الله تعالى عامل عباده بالخوف، فمن عليهم بالنعم التي سبق ذكرها.
كذلك لما جعل لهم سبيلاً إلى أن ينعموا على غيرهم، كان الانعام منهم محموداً.
ألا ترى أن الله تعالى لما وصف نفسه بأن يغفر الذنوب ويعفو عن السيئات، ثم جعل لعباده سبيلاً إلى أن يعفوا عن من أساء إليهم، ويغفروا لهم، كان العفو والتجاوز عنهم محموداً.
ولما علم عباده ما لم يكن يعلمونه، ومن عليهم بذلك.
وجعل لهم السبل إلى أن يعلموا غيرهم ما تعلموه، كان التعليم منهم محموداً.
فكذلك الجواد بالمال هذا سبيله.