فأخبر أنّه للخلاف الذي لا يزالون عليه خلقهم، وأنّه قد حقّت كلمته بأن يملأ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين، ولا يجوز أن يكون قوله ولذلك خلقهم منصرفا إلى الرّحمة وهو يقول: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ} [الأنعام: 125] ، ويقول: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112] ، وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [السجدة: 13] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: 137] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [الأنعام: 107] ، فكلّ هذا يدلّ على بطلان تأويلهم.
وأمّا تعلّق القدريّة في كثير من إخباره تعالى بإنعامه على المؤمنين وتأليفه بين قلوبهم واستنقاذهم من جهنّم وحرمان الكفّار ذلك أجمع، بأنّه إنّما أريد بذلك إعطاؤه تعالى للمؤمنين الألطاف الداعية لهم إلى فعل الطاعة، والجامعة لهممهم عليها، وأنّه ليس له مثل هذه النّعمة والهداية على الكافرين، فإنّه أيضا باطل من قولهم، لأنّ اللّطف عندهم واجب على الله سبحانه فعله بعد تكليفهم وقبح منه تركه، كما أنّه يجب عليه فعل الإقدار والتمكين وفعل الثواب والجزاء بعد الطاعة، فمحال منه إذا أن يمتنّ على المؤمنين بما هو واجب عليه ولازم له، ولأنّه تعالى أيضا عندهم غير قادر على إعطاء مثل ذلك اللطف للكافرين، ولا هو عنده وفي خزائنه وسلطانه،
لأنّه لو كان ملم بفعله بهم لوجب بخله عليهم واستفساده لهم، وذلك إخراج له عن الحكمة، فإذا لم يكن عندهم قادرا على التسوية بين الكافرين والمؤمنين فما معنى امتنانه على المؤمنين، وإخباره بتخصيصه لهم بأجر لو حاول فعله بالكافرين لم يكن عنده ولا تحت قدرته، على أنّ القول بأنّ الهداية لطف من فعل الله فيهم نقض لقول من قال منهم إنّها لا تكون بمعنى الحكم والتسمية، وجميع ما قدّمناه ونزّلناه يدلّ على إبطال ما ألبس به الملحدون، وتعلّقت به القدريّة، وتكشف عن ترتيب الإضلال من الله ومن غيره، وترتيب الهداية منه وتفضيلها، ويوجب تنزيل الظواهر التي يوردونها، وحملها على ما رتّبناه دون ما قالوه.