إذن فقد سد الحق بهذا المثل على النفس البشرية منفذ الشح. وشيء آخر تتعرض له الآيات ، وهو أن الإنسان قد يحرج فِي مجتمعه من سائل يسأله فهو فِي حرصه على ماله لا يحب أن ينفق ، ولحرصه على مكانته فِي الناس لا يحب أن يمنع ، فهو يعطي ولكن بتأفف ، وربما تعدى تأففه إلى نهر سأله وزجره ، فقال الحق سبحانه وتعالى ليسد ذلك الموقف:
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
وقول الله: قول معروف ومغفرة"يدل على أن المسئول قد أحفظه سؤال السائل وأغضبه الإحراج ، ويطلب الحق من مثل هذا الإنسان أن يغفر لمن يسأله هذه الزلة إن كان قد اعتبر سؤاله له ذنباً:"
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)
وبعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى"المن"الذي يفسد العطاء ؛ لأنه يجعل الآخذ فِي ذلة وانكسار ، ويريد المعطي أن يكون فِي عزة العطاء وفي استعلاء المنفق ، فهو يقول: إنك إن فعلت ذلك ستتعدى الصدقة منك إلى الغير فيفيد ، ولكنك أنت الخاسر ؛ لأنك لن تفيد بذلك شيئا ، وإن كان قد استفاد السائل. إذن فحرصا على نفسك لا تتبع الصدقة بالمن ولا بالأذى. ثم يأتي الحق ليعالج منفذا من منافذ الشح فِي النفس البشرية هو: أن الإنسان قد يحب أن يعطي ، ولكنه حين تمتد يده إلى العطاء يعز عليه إنفاق الجيد من ماله الحسن ، فيستبقيه لنفسه ثم يعزل الأشياء التي تزهد فيها نفسه ليقدمها صدقة فينهانا - سبحانه - عن ذلك فيقول:
وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ
(من الآية 267 سورة البقرة)