فلو أنه كان بذاتيته قادراً لما وجد عاجز. إذن فوجود العاجزين عن الحركة فِي الحياة لفت للناس على أنهم ليسوا أصلاء فِي الكون ، وأن الذي وهبهم القدرة يستطيع أن يسلبهم إياها ليعيدها إلى سواهم ، فيصبح العاجز بالأمس قادراً اليوم ، ويصبح القادر بالأمس عاجزاً اليوم وبذلك يظل الإنسان منتبها إلى القوة الواهبة التي استخلفته فِي الأرض. ولذلك كان الفارق بين المؤمن والكافر فِي حركة الحياة أنهما يجتمعان فِي شيء ، ثم ينفرد المؤمن فِي شيء ، يجتمعان فِي أن كل واحد من المؤمنين ومن الكافرين يعمل فِي أسباب الحياة لينتج ما يقوته ويقوت من يعول ، ذلك قدر مشترك بين المؤمن والكافر. والكافر يقتصر على هذا السبب فِي العمل فيعمل لنفسه ولمن يعول.
ولكن المؤمن يشترك معه فِي ذلك ويزيد أنه يعمل لشيء آخر هو: أن يفيض عنه شيء يمكن أن يتوجه به إلى غير القادر على العمل. محتسبا ذلك عند الله. ولذلك قلنا سابقا: إن الحق سبحانه حينما تكلم عن الزكاة تكلم عنها مرة مطلوبة أداء ، وتكلم عنها مرة أخرى مطلوبة غاية فقال:"والذين هم للزكاة فاعلون". ولم يقل للزكاة مؤدون ، فالمؤمنون لا يعلمون لقصد الزكاة إلا إن عملوا عملا على قدر طاقاتهم ليقوتهم وليقوت من يعولهم ، ثم يفيض منهم شيء يؤدون عنه الزكاة. والحق سبحانه وتعالى فِي أمر الزكاة:
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)