إن الإنسان فِي هذا الكون حين يطلب إيمانياً منه أن ينفق فلازم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه ، ولا يمكن أن يكون عنده ما ينفقه إلا إذا كان مالكاً لشيء زاد على حاجته وحاجة من يعوله ، وذلك لا يتأتى إلا بحصيلة العمل. إذن فأمر الله للمؤمن بالنفقة يقتضي أن يأمره أولاً بأن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته ، فلو عمل كل إنسان من القادرين على قدر حاجته ، فكيف توجد مقومات الحياة لمن لا يقدر على العمل ؟. إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا فِي العمل لنعول أنفسنا ولنعول من فِي ولايتنا ، فإذا ما زاد شيء على ذلك وهبناه لمن لا يقدر على العمل.
ولقائل أن يقول: إذا كان الله قد أراد أن يحنن قلوب المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل العاجزين قادرين على أن يعملوا هم أيضاً ؟
نقول لصاحب هذا القول: إن الحق حين يخلق .. يخلق كوناً متكاملاً منسجماً دانت له الأسباب ، فربما أطغاه أن الأسباب تخضع له ، فقد يظن أنه أصبح خالقاً لكل شيء ، فحين تستجيب له الأرض إن حرث وزرع ، وحين يستجيب الماء له إن أدلى دلوه ، وحين تستجيب له كل الأسباب ، ربما ظن نفسه أصيلاً فِي الكون. فيشاء الله أن يجعل القوة التي تفعل فِي الأسباب لتنتج ، يشاء - سبحانه - أن يجعلها عرضاً من أعراض هذا الكون ، ولا يجعلها لازمة من لوازم الإنسان ، فمرة تجده قادراً ، ومرة تجده عاجزاً.