هذه صدقة الجهر إن خلصت من الرياء؛ أما صدقة السر فقد أثنى عليها سبحانه بقوله تعالى: (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) أي إن تخفوا الصدقات التي خلصت فيها النية وتؤتوها الفقراء بأنفسكم فهو خير لكم؛ لأن البعد عن الرياء يكون أوثق؛ إذ في السرية سد لكل ذرائع الرياء، ولذلك كان السر خيرًا للمعطي؛ إذ فيه احتياط لنفسه من أن يدخلها داء الإنفاق، وهو الرياء؛ فإذا كان في الجهر فائدة الثناء، ففي السر فائدة الاحتياط من الرياء؛ وذلك خير من كل ثناء. ثم صدقة السر خير في ذاتها كصدقة الجهر، وفوق ذلك فإن صدقة السر خير للفقير؛ لأنها تستره بستر الله، فلا يجتمع عليه ذل الفقر، وذل الأخذ، وذل الإعلان والكشف.
والتعبير في نفقة السر بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) فيه إشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الصدقة قسمان: قسم يعطى إلى الحكام، وهو الصدقات المفروضة التي قدرها الشارع؛ فهذه يجمعها أولو الأمر ومن ينوبون عنهم من ولاة وعمال، أو جماعات يختارونها لذلك وهذه تكون معلنة بلا ريب. والقسم الثاني يعطي الفقراء مباشرة وهو الصدقات غير المفروضة، والصدقات المفروضة غير المقدرة التي تكون على حسب حال الشخص، كمن يرى شخصًا في مخمصة وجوع، ويخشى عليه من الموت فإن الصدقة تكون فرضًا على من يعلم حاله؛ وهذه الصدقات التي تعطى الفقراء مباشرة يكون السر فيها أولى، بل أكاد أقول إنه يكون لازمًا؛ لأن الإعلان أذى، وقد قرر المولى العلي القدير أن الأذى يبطل الصدقة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى. . .) .
الأمر الثاني: الذي يفيده التعبير بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) : الإشارة إلى وجوب تحري صفة الفقر فيمن يعطى، فلا يعطي إلا ذا حاجة، ولا يكون من الصدقات ما يعطى لغير الفقراء؛ لأنه يكون مروءة أو جودا ولا يكون صدقة يبتغى بها ما عند الله، إذ يبتغي بها ما عند الناس؛ وإن ذلك وإن كان من نظام الدنيا ليس من الصدقة في شيء.