وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل. ولا قوة إلا باللَّه.
وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير. وباللَّه المعونة.
وفي الآية دلالة أن اللَّه تعالى لا يؤتي كلًّا الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلًا للحكيم فإعطاء اللَّه تعالى نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحدًا ثم لا ينالها المعطى. وهذه الوجوه كلها تخالف رأى المعتزلة.
وقوله تعالى: (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) ، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.
وقوله تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.
وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) ، ثم قال: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) ، ولا كل أحد يؤتى الحكمة، إنما يؤتى بعضًا دون بعض. فلو كان على اللَّه تعالى أن يعطى الأصلح في الدِّين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل. ومن قال: يؤتى غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.
وقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(270)
يحتمل: نفقة المحارم.
ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.
ويحتمل: المفروض من الصدقات.
ويحتمل غيرها.
ثم رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه تعالى عنه - عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوله تعالى: (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) قال:"من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليوف به".