وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء، فبين لمن أغفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد عاقبته. فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها. واللَّه الموفق.
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ...(267)
فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: (مَا كَسَبْتُمْ) ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب اللَّه تعالى بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضوع، وليس فيه سنة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية. وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب. وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب. وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) ، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.
وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضراوات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض. وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضراوات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.