قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ آخَرُ لَنَفَقَةِ الرِّيَاءِ، أَنَّهُ يُنْفِقُ مَالَهُ يُرَائِي النَّاسَ بِهِ، فَيَذْهَبُ مَالُهُ مِنْهُ وَهُوَ يُرَائِي، فَلَا يَأْجُرْهُ اللَّهُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَاحْتَاجَ إِلَى نَفَقَتِهِ، وَجَدَهَا قَدْ أَحْرَقَهَا الرِّيَاءُ، فَذَهَبَتْ كَمَا أَنْفَقَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى جَنَّتِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ وَكَثُرَ عِيَالُهُ وَاحْتَاجَ إِلَى جَنَّتِهِ جَاءَتْ رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ فَأَحْرَقَتْ جَنَّتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهَا شَيْئًا، فَكَذَلِكَ الْمُنْفِقُ رِيَاءً»
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"الْجَنَّةُ عَيْشُهُ وَعَيْشُ وَلَدِهِ فَاحْتَرَقَتْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ جَنَّتِهِ مِنْ أَجْلِ كِبَرِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ ذُرِّيَّتُهُ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ جَنَّتِهِمْ مِنْ أَجْلِ صِغَرِهِمْ حَتَّى احْتَرَقَتْ، يَقُولُ: هَذَا مَثَلُهُ تَلَقَّاهُ وَهُوَ أَفْقَرُ مَا كَانَ إِلَيَّ، فَلَا يَجِدُ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْتَطِيعُ مِنْ كِبَرِهِ وَصِغَرِ أَوْلَادِهِ أَنْ يَعْمَلُوا جَنَّةً، كَذَلِكَ لَا تَوْبَةَ إِذَا انْقَطَعَ الْعَمَلُ حِينَ مَاتَ"، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «هُوَ مَثَلُ الْمُفَرِّطِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتُ»
وَإِنَّمَا دَلَّلْنَا أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ تَقَدَّمَ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمَنِّ وَالْأَذَى فِي صَدَقَاتِهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ مَنَّ وَآذَى مَنَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ، فَمَثَلُهُ بِالْمُرَائِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ، الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ رِيَاءَ النَّاسِ، وَكَانَتْ قِصَّةُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْمَثَلِ نَظِيرَةَ مَا ضُرِبَ لَهُمْ مِنَ الْمَثَلِ قَبْلَهَا، فَكَانَ إِلْحَاقُهَا بِنَظِيرِتَهَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ تَأْوِيلِهَا عَلَى أَنَّهُ مَثَلٌ مَا لَمْ يَجْرُ لَهُ ذِكْرٌ قَبْلَهَا وَلَا مَعَهَا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ فَعُطِفَ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} ؟