عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: «لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا يَوْمَئِذٍ، كَمَا تَرَكَ هَذَا الْمَطَرُ الصَّفَاةَ الْحَجَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَنْقَى مَا كَانَ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى} ، فَقَرَأَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} حَتَّى بَلَغَ: {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} ثُمَّ قَالَ:"أَتَرَى الْوَابِلَ يَدَعُ مِنَ التُّرَابِ عَلَى الصَّفْوَانِ شَيْئًا؟ فَكَذَلِكَ مَنُّكَ وَأَذَاكَ لَمْ يَدَعْ مِمَّا أَنْفَقْتَ شَيْئًا، وَقَرَأَ قَوْلَهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} وَقَرَأَ: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فَيَصَّدَّقُونَ بِهَا وَيَحْمِلُونَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُقَوُّونَ بِهَا أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنَ الْغُزَاةِ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ.
{وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: وَتَثْبِيتًا لَهُمْ عَلَى إِنْفَاقِ ذَلِكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَتَحْقِيقًا، مِنْ
قَوْلِ الْقَائِلِ: ثَبَّتُّ فُلَانًا فِي هَذَا الْأَمْرِ: إِذْ صَحَّحْتُ عَزْمَهُ وَحَقَّقْتُهُ وَقَوَّيْتُ فِيهِ رَأْيَهُ أَثْبَتُّهُ تَثْبِيتًا، كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:
[البحر البسيط]
فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا