قَالَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْجِعَابِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ الرَّقَّةَ وَكَانَ لِي ثَمَّ قِمَطْرَانِ كُتُبًا فَأَنْفَذْتُ غُلامِي إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كُتُبِي عِنْدَهُ فَرَجَعَ الْغُلامُ مَغْمُومًا فَقَالَ: ضَاعَتِ الْكُتُبُ، فَقُلْتُ: يَا بُنَيَّ لا تَغْتَمَّ فَإِنَّ فِيهَا مِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ لا يُشْكَلُ عَلَيَّ مِنْهَا حَدِيثٌ لا إِسْنَادًا وَلا مَتْنًا.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا شَاهَدْنَا أَحْفَظَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْجِعَابِيِّ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: يَحْفَظُ مِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَيُجِيبُ فِي مِثْلِهَا، إِلا أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ الْحِفَاظَ، بِأَنَّهُ كَانَ يَسُوقُ الْمُتُونَ بِأَلْفَاظِهَا، وَكَانَ يَزِيدُ عَلَى الْحُفَّاظِ، بِحِفْظِ الْمَقْطُوعِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْحِكَايَاتِ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْمَعْرِفَةِ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ، وَثِقَاتِ الرِّجَالِ، مِنْ مُعَدِّلِيهِمْ، وَضُعَفَائِهِمْ، وَمَوَالِيدِهِمْ، وَوَفَاتِهِمْ، وَانْتَهَى هَذَا الأَمْرُ إِلَيْهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي زَمَنِهِ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبو عُمَرَ الْقَاسِم بْن جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ: سَمِعْتُ الْجِعَابِيَّ يَقُولُ: أَحْفَظُ أَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَأُذَاكِرُ بِسِتِّ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ.
* هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ: قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: حَفِظْتُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ أَحَدٌ، وَنَسِيتُ مَا لَمْ يَنْسَهُ أَحَدٌ، كَانَ لِي عَمٌّ، يُعَاتِبُنِي عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ، فَدَخَلْتُ بَيْتَنَا، وَحَلَفْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى أَحْفَظَ الْقُرْآنَ، فَحَفِظْتُهُ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَنَظَرْتُ يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ، فَقَبَضْتُ عَلَى لِحْيَتِي، لآخُذَ مَا دُونَ الْقَبْضَةِ، فَأَخَذْتُ مَا فَوْقَ الْقَبْضَةِ. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...