وَرَأَى جَارِيَةً تُبَاعُ، فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، فَدَخَلَ إِلَى الرَّاضِي بِاللَّهِ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ بِرُؤْيَةِ الْجَارِيَةِ فَاشْتَرَاهَا الْخَلِيفَةُ، وَبَعَثَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَآهَا فَقَالَ: اصْعَدِي إِلَى فَوْق لأَسْتَبْرِئَكِ، ثُمَّ جَلَسَ يَطْلُبُ مَسْأَلَةً فَاشْتَغَلَ قَلْبُهُ، فَقَالَ لِلْخَادِمِ: امْضِ بِهَا إِلَى النَّخَّاسِ.
فَقَالَتْ: عَرِّفْنِي ذَنْبِي؟ فَقَالَ: مَا لَكِ ذِنْبٌ غَيْرَ أَنَّكِ شَغَلْتِينِي عَنْ عِلْمِي.
فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّاضِي، فَقَالَ: لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ فِي قَلْبِ أَحَدٍ أَحْلَى مِنْهُ فِي صَدْرِ هَذَا.
وَكَانَ إِذَا حَضَرَ عِنْدَ الرَّاضِي، شُوِيَتْ لَهُ قَلِيَّةٌ يَابِسَةٌ، وَيَأْكَلُهَا وَلا يَشْرَبُ مَاءً إِلَى الْعَصْرِ، وَلا يَقْرُبُ الْمَاءَ كُلَّ ذَلِكَ لأَجْلِ حِفْظِهِ،
فَلَمَّا مَرِضَ هُوَ مَرَضَ الْمَوْتِ، فَأَكَلَ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ يَشْتَهِي، وَدَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ، فَنَظَرَ إِلَى مَائِهِ، وَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى تَكَلُّفِكَ أَمْرًا لا يُطِيقُهُ النَّاسُ، فَلَمَّا خَرَجَ تَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هُوَ تَالِفٌ، وَمَا فِيهِ حِيلَةٌ، فَدَخَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي كُنْتَ تَفْعَلُهُ حَتَّى اسْتَدَلَّ الطَّبِيبُ عَلَى حَالِكَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَدْرُسُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ أَلْفَ وَرَقَةٍ.
* مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ «أَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ»
حَدَّثَ عَنْ يُوسُفَ الْقَاضِي، وَجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الْمُجَوِّدِينَ، صَحِبَ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عُقْدَةَ، وَعَنْهُ أَخَذَ الْحِفْظَ.
وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ.