قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ: خَرَجْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى، فَقَالَ يَحْيَى لأَحْمَدَ: أُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِرَ أَبَا نُعَيْمٍ فَقَالَ: لا تُرِدْ فَالرَّجُلُ ثِقَةٌ، فَقَالَ: لا بُدَّ لِي، فَأَخَذَ وَرَقَةً، فَكَتَبَ فِيهَا ثَلاثِينَ حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَجَعَلَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ عَشَرَةٍ مِنْهَا حَدِيثًا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَقَرَأَ يَحْيَى عَشَرَةً وَأَبُو نُعَيْمٍ سَاكِتٌ ثُمَّ قَرَأَ الْحَادِي عَشَرَ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي، اضْرِبْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الثَّانِي، وَأَبُو نُعَيْمٍ سَاكِتٌ، فَقَرَأَ الْحَدِيثَ الثَّانِي، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي فَاضْرِبْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الثَّالِثَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ سَاكِتٌ، ثُمَّ قَرَأَ الْحَدِيثَ الثَّالِثَ، فَتَغَيَّرَ أَبُو نُعَيْمٍ، وَانْقَلَبَتْ عَيْنَاهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى يَحْيَى، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا - وَذِرَاعُ أَحْمَدَ بِيَدِهِ - فَأَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ هَذَا، وَأَمَّا هَذَا - يُرِيدُنِي - فَأَقَلُّ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِكَ يَا فَاعِلُ، ثُمَّ أَخْرَجَ رِجْلَهُ، فَرَفَسَ يَحْيَى، فَرَمَى بِهِ، فَقَالَ: يَحْيَى: وَاللَّهِ، لَرَفْسَتُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَفَرِي.
* مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ
مَهَرَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَرُزِقَ الْحِفْظُ لَهُ، وَالْمَعْرِفَةُ، وَكَتَبَ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَكَانَ يَخْتَلِفَ إِلَى مَشَايِخِ الْبَصْرَةِ وَلا يَكْتُبُ، فَسَأَلُوهُ: لِمَ لا تَكْتُبُ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا سَمِعَ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفِ حَدِيثٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ.