فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6808 من 466147

الرواية له سبب واضح ، وهي تساير الحقيقة التاريخية ، وهو أنَّ أبا حنيفة الفقيه المدرك قرَّر جواز قراءة المعاني بالفارسية على أنَّها دعاء مقارب للفاتحة فِي معانيه ، فلما لانت الألسنة ودخل الناس من أهل فارس وغيرها فِي دين الله أفواجًا ، ورأى أنَّ المبتدعين هم الذين يتَّخذون القرآن مهجورًا ، وهم الذين يستبيحون تلك الرخصة التي رخَّصها ، حرَّم ما كان قد استحسن.

260 -ومهما تكن الفتوى من الناحية التاريخية فإنَّ الفقهاء اختلفوا فِي أصل هذه الفتوى ، أمؤدَّاها أنَّ أبا حنيفة اعتبر الترجمة دعاء وليست قرآنًا ، أم أنه اعتبرها قرآنًا ، وهل مؤدَّى ذلك أن يكون أبو حنيفة قد اعتبر القرآن هو المعنى دون اللفظ.

ونقول فِي الإجابة عن هذا السؤال: إنَّ من المقطوع به أنَّ أبا حنيفة لم يعتبر القرآن الذي نزل على محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - هو المعنى فقط ، فذلك ما لم يقله أحد من أهل الإيمان ؛ لأن محمدًا - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقرأه جبريل اللفظ ، ولم يوحَ إليه بالمعنى وحده ، اقرأ قوله تعالى مع ما تقدَّم: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19] .

فهل بعد هذا النصِّ القاطع يستطيع أحد أن يدَّعي على أبي حنيفة الورع التقي أنه يقول: إنَّ الذي نزل على محمد وتلقَّاه عن جبريل الأمين - وهو روح القدس - هو المعنى فقط ، إنَّ ذلك غير معقول.

وبقي السؤال الأول: هل يمكننا أن نفهم من هذا أنَّ أبا حنيفة أقرَّ قراءة القرآن بغير العربية ممن يعرف العربية ، ولا يجيد إخراج الحروف من مخارجها ، إنه يعتبر المعنى ذاته قرآنًا مع إقراره ، بأنَّ الذي نزل على محمد اللفظ والمعنى.

نقول: إنَّ الأكثرين من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين يقولون: إنَّ أبا حنيفة اعتبر المترجم مجزئًا للصلاة فِي الحدود التي رسمناها فِي دور من أدوار اجتهاده الفقهي ، ولكنَّه لا يعد قرآنًا قط ، ولذا لم يقل أنَّه تجب سجدة التلاوة بالجزء المترجم إذا كان فِي معنى آية لها سجدة تلاوة ، وأجاز أن يمسّ غير المتوضئ الجزء المترجم ، ولا حرج عليه ، وتقرأ الحائض والنفساء المعنى المترجم ، ولا إثم فِي ذلك ؛ لأنَّه ليس قرآنًا.

ولذلك يقول الأكثرون من فقهاء المذهب الحنفي: إنَّ ما قرره أبو حنيفة إن هو إلا ترخص للذين لم تقوَّم ألسنتهم تقويمًا عربيًّا سليمًا ، فسوَّغ لهم أن يقرءوا المعاني حتى تقوَّم ألسنتهم ، وعلى أنَّه دعاء لا على أنها قرآن ، ولم يعرف عنه قط أنه سوغ فِي غير الفاتحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت