وَاللهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ وَبِمَا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَنْ صَدَقَةِ عِبَادِهِ فَلَا يَأْمُرُ الْأَغْنِيَاءَ بِالْبَذْلِ فِي سَبِيلِهِ لِحَاجَةٍ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَهُمْ وَيُزَكِّيَهُمْ وَيُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَيُصْلِحَ شُئُونَهُمُ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لِيَكُونُوا أَعِزَّاءَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَوْلِيَاءُ ، وَالْمَنُّ وَالْأَذَى يُنَافِيَانِ ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ قَبُولِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَاتِ . حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَمُنُّ وَيُؤْذِي . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: يُطْلَقُ الْحِلْمُ وَيُرَادُ بِهِ هَذَا اللَّازِمُ مِنْ لَوَازِمِهِ ; أَيِ الْإِمْهَالُ وَعَدَمُ الْمُعَاجَلَةِ بِالْمُؤَاخَذَةِ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ لَازِمٌ آخَرُ هَذَا الْإِغْضَاءُ وَالْعَفْوُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ هُنَا لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ لَكَانَ تَحْرِيضًا عَلَى الْأَذَى وَلِكُلِّ مَقَالٍ مَقَامٌ يُعَيِّنُهُ ، فَالْأَوَّلُ يُطْلَقُ فِي مُقَابِلِ الْعَجُولِ الطَّائِشِ ، وَالثَّانِي فِي مُقَابِلِ الْغَضُوبِ الْمُنْتَقِمِ . وَفِي الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ تَنْفِيسٌ لِكُرَبِ الْفُقَرَاءِ وَتَعْزِيَةٌ لَهُمْ وَتَعْلِيقٌ لِقُلُوبِهِمْ بِحَبَلِ الرَّجَاءِ بِاللهِ الْغَنِيِّ الْمُغْنِي ، وَتَهْدِيدٌ لِلْأَغْنِيَاءِ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ أَنْ يَغْتَرُّوا بِحِلْمِ اللهِ وَإِمْهَالِهِ إِيَّاهُمْ وَعَدَمِ مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعِقَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْلُبَهَا مِنْهُمْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ .