تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ لِخَلْقِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا الْقَائِلُ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي كَانَ اللَّهُ أَهْلَكَ فِيهَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي اسْمِ الْقَائِلِ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفَانِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ أَهْلِهَا وَسُكَّانِهَا، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وَخُوِيًّا، وَقَدْ يُقَالُ لِلْقَرْيَةِ: خَوِيَتْ، وَالْأَوَّلُ أَعْرَبُ وَأَفْصَحُ، وَأَمَّا فِي الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ نُفَسَاءَ فَإِنَّهُ يُقَالُ: خَوِيَتْ تَخْوَى خَوًى مَنْقُوصًا، وَقَدْ يُقَالُ فِيهَا: خَوَتْ تَخْوِي، كَمَا يُقَالُ فِي الدَّارِ، وَكَذَلِكَ خَوَى الْجَوْفُ يَخْوَى خَوَاءً شَدِيدًا، وَلَوْ قِيلَ فِي الْجَوْفِ مَا قِيلَ فِي الدَّارِ وَفِي الدَّارِ مَا قِيلَ فِي الْجَوْفِ كَانَ صَوَابًا، غَيْرَ أَنَّ الْفَصِيحَ مَا ذَكَرْتُ، وَأَمَّا الْعُرُوشُ: فَإِنَّهَا الْأَبْنِيَةُ وَالْبُيُوتُ، وَاحِدُهَا عَرْشٌ، وَجَمْعُ قَلِيلِهِ أَعْرُشٌ، وَكُلُّ بِنَاءٍ فَإِنَّهُ عَرْشٌ، وَيُقَالُ: عَرَشَ فُلَانٌ دَارًا يَعْرُشُ وَيعْرِشُ، وَعَرَّشَ تَعْرِيشًا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}
يَعْنِي يَبْنُونَ، وَمِنْهُ قِيلَ عَرِيشُ مَكَّةَ، يَعْنِي بِهِ: خِيَامَهَا وَأَبْنِيَتَهَا.