قال الإمام اللغوي أبو منصور الأزهري: في هذا الحديث مَثلان، ضُرِبَ أحدُهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا مع مَنْعِ ما جمع من حقه، والآخرُ ضربه للمقتصد في جمع المال وبذلِه في حقّه،
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: وإنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حَبطاً، فهو مثلُ الحريصِ المفرطِ في الجمع والمنع، وذلك أنّ الربيعَ ينبت أحرار العشب التي تحلوليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشحُّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقَّه منها، يهلك في الآخرة بدخول النار واستيجاب العذاب - أقول: ويهلك في الدنيا كذلك، وهل لا يعدُّ هلاكاً لمن هذه حالُه ما يلاقيه من إزراءِ الناسِ به وازوِرارِهم عنه وانطوائِهم له على البغضِ والحقدِ والحسدِ وصنوفِ الأذى وعدّهم إيّاه خنزيراً من خنازيرِ البشر أو مجنوناً من صرعى الأثرة والأنانية وحبِّ الذات، وبالحريّ لا خير فيه لأحد ولا لنفسه وإنما هو لا يعدو أن يكون صيرفاً أو حارسَ مالٍ ليس غير:
يَجْني الغِنى لِلِّئامِ لو عقَلوا ... ما ليسَ يَجْني عليهمُ العَدمُ
هُمْ لأمْوالِهم ولَسْنَ لَهمْ ... والعارُ يَبْقَى والجُرْحُ يَلْتَئِمُ
أنْتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُ ... فإذا أنفَقْتَه فالمالُ لَكْ
هذا إذا أضاف الشُّحَّ على نفسه إلى الشحِّ على ذوي الحقوق.