والدليلُ على أنّه ليس بهم خوفُ الفقر، وأنّ الجمع والمنعَ إمّا أن يكون عادةً منهم، أو طبيعةً فيهم، أنك قد تجد المَلِكَ بخيلاً، ومملكتُه أوسع، وخرجُه أدرُّ، وعدوُّه أسكنُ وقد علمنا أن الزنج أقصرُ الناس مِرّةً ورويّةً وأذهلُهم عن معرفة العاقبة: فلو كان سخاؤهم إنّما هو لكَلالِ حدّهم، ونقصِ عقولهم، وقلّةِ معرفتهم، لكان ينبغي لفارسَ أن تكونَ أبخلَ من الرّوم وتكونَ الرومُ أبخلَ من الصّقالبة، وكان ينبغي في الرجال، في الجملة، أن يكونوا أبخلَ من النساء، في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكونَ أقلُّ البخلاء عقلاً، أعقلَ من أشدِّ الأجوادِ عقلاً؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكونَ أعرفَ بالأمور من الديك، المضروب به المثلُ في الجود.
ونحن لا نجد الجوادَ يَفِرُّ من اسم السّرفِ إلى الجودِ، كما نجد البخيلَ يَفِرُّ من اسم البخلِ إلى الاقتصاد. وتجد الشجاعَ يَفرّ من اسم المنهزم، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجَنان: وقاحٌ لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضيلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدرَه، ويظهر فضلَه.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيراً ممّا يطلبون، ولتركوا محاسبتَهم في كثيرٍ ممّا يشتهون.
وهذا بعض ما بغَّض بعضَ المورثين إلى الوراثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف...
ولو كانوا لأولادهم يُمهِّدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخِصيانُ الأموال، ولَما كنزَ الرهبانُ الكنوزَ، ولاستراح العاقِرُ من ذلِّ الرغبة ولسلِمَ العقيمُ من كدِّ الحرص. وكيف؟ ونحن نجده بعد أن يموتَ ابنُه الذي كان يعتلُّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصِّر في الطلب والحُكْرة، والبخلاء لم يَحدّوا شيئاً من جهدهم ولا أعفوا بعدُ قدرتَهم، ولا قصّروا في شيء من الحرص والحَصْر، لأنهم في دار قُلْعَةٍ، بعرض نُقلَةٍ. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.