وأجْمعتِ الأممُ كلُّها بخيلُها وسخيُّها وممزوجُها على ذمِّ البخل، وحَمْدِ الجود، كما أجمعوا على ذمِّ الكذب وحَمْدِ الصدق.
فمن أراد أن يخالف ما وصف الله - جلَّ ذكرُه - به نفسَه، وما منح من ذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وما فَطرَ على تفضيله العربَ قاطبةً، والأممَ كافةً، لم يكن عندنا فيه إلا إكفارُهُ واستسقاطُه.
ولَمْ نرَ الأمةَ أبغضت جواداً قطّ ولا حقَرَتْه، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عَقِبَه وأعظمت من أجله رَهْطَه. ولا وجدناهم أبغضوا جواداً، لمجاوزته حدَّ الجود إلى السَّرف، ولا حقَرَتْه، بل وجدناهم يتعلمون مناقبَه، ويتدارسون محاسنَه، وحتى أضافوا إليه من نوادِرِ الجميل ما لم يفعله ونَحَلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ليبلغَه، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يُضاعف كما تُضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه كلَّ مديح شارد، وكلَّ معروفٍ مجهولِ الصاحب. ثمَّ وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدِّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يُبغضونه مرَّة، ويُحقِّرونه مرَّة، ويُبغضون بفضل بغضه ولدَه، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رَهْطَه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلُغْه، ومن غرائب البُخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنَّا لا نجد الجوائحَ إلى أموال الأسخياء، أسرعَ منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عددَ من افتقر من البخلاء أقلَّ.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسمَ البخيل ويستوجب الذمَّ، من لا يدع لنفسه هَوىً إلا ركبَه، ولا حاجةً إلا قَضاها، ولا شهوةً إلا ركبها وبلغ فيها غايتَه.
وإنّما يقع عليه اسمُ البخيل، إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكرَ، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر.
وقد يُعَلِّق البخيلُ على نفسِه من المُؤن، ويُلْزِمها من الكُلَف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدوابِّ والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البِزَّة الفاخرة. والشّارة الحسنة، ما يُربي على نفقة السخيِّ المثري ويَضْعف على جودِ الجوادِ الكريمِ فيذهب مالُه وهو مذمومٌ، ويتغيَّر حالُه وهو ملومٌ.