ومن هنا حثوا على الجود والمروءة والتسخي حتى في حالة العسر والضيق فمن ذلك ما قرأناه منسوباً لبُزُرْ جِمِهْرَ أو ليحيى بن خالد البرمكي أو لامرأة من العرب توصي به ابنها، وهو: إذا أقبلت عليك الدُّنيا فأنفق، فإنَّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنَّها لا تبقى. أخذه بعض الشعراء فقال:
وأنْفِقْ إذا أنفقتَ إنْ كنْتَ مُوسِراً ... وأَنفِقْ على ما خيَّلَت حينَ تُعْسِرُ
فلا الجودُ يُفْني المالَ والجَدُّ مقْبلٌ ... ولا البخلُ يُبقي المالَ والجَدُّ مُدْبرُ
وقال الآخر في معناه:
لا تَبْخَلنَّ بدُنْيا وهي مُقْبِلةٌ ... فليس يَنْقُصُها التَّبْذيرُ والسَّرَفُ
فإنْ توَلَّتْ فأحْرَى أنْ تَجُودَ بها ... والشُّكْرُ منها إذا مَا أَدْبرَتْ خلَفُ
ولاتنس أن مرادهم بالإنفاق والجود هنا: الإنفاق في سبيل الله والبِرّ لا في سبيل الشيطان والإثم، والجود على ذوي الحقوق ومن هم في حاجة إليك حتّى مع إدبار الدنيا عنك،
وبالحريِّ مرادهم بالسرف: السرف في الشرف، وما يكسب المرءَ مَحْمِدةً ومِقةً. ويؤثر عن معاوية أو المأمون - وقد قيل لأحدهما: لا خير في السرف - فقال: لا سرفَ في الشرف...
وقال سلم بن قتيبة: أحدكم يحقر الشيء َ فيأتي ما هو شرٌّ منه، يعني المنع، يريد الحث على إعطاء القليل إن لم يستطع إعطاءَ الكثير، وقال حماد عجرد في ذلك من أبيات:
بُثَّ النَّوَالَ ولا تمنَعكَ قِلَّتُهُ ... فكلُّ ما سَدَّ فقْراً فَهْوَ مَحْمودُ
يقول فيها:
إنَّ الكَريمَ ليُخْفِي عَنْكَ عُسْرَتَهُ ... حَتَّى تراهُ غَنيِّاً وهوَ مَجْهُودُ
إذا تكرَّمْتَ أَنْ تُعْطي القليلَ ولمْ ... تَقْدِرْ على سَعةٍ لمْ يَظْهرِ الجُودُ
ولِلْبَخيلِ على أمْوالِه عِلَلٌ ... زُرْقُ العُيونِ علَيْها أَوْجُهٌ سُودُ
أَوْرِقْ بخَيْرٍ تُرَجَّى لِلنَّوالِ فَما ... تُرْجى الثِّمارُ إذا لم يُورِقِ العودُ
والعرب تقول: من حقَرَ حرَمَ. . حقر الشيء: عدّه حقيراً، أي من حقر يسيراً يقدر عليه ولم يقدر على الكثير ضاعت لديه الحقوق وفي الحديث: (لا تردّوا السائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ الظلف من كل ما يجترُّ من
الحيوانات كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر من الفرس، ويقال: أحرق الشيء بالنار وحرّقه شدّد لكثرة وقال المعري:
إذا طرقَ المِسْكينُ بابَكَ فاحْبُهُ ... قليلاً ولو مِقْدَارَ حبَّةِ خَرْدَلِ