وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغْبرّت قدماه في المشي إليّ إرادةَ التسليم عليّ؟ فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله عز وجل، قيل: ومن هو؟ قال: رجلٌ نزل به أمرٌ فبات ليلتَه يفكِّر بمن يُنْزِلُه، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي.
وقال ابن عباس أيضاً: لا يزهدنّك في المعروف كفرُ مَنْ كَفَره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه: كفر من كفره: يريد: كفر النعمة، أي عدم شكرها، وقوله: من لم تصطنعه إليه يريد الله عز وجل.
وأنشد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحدُ الأجواد في الإسلام قولَ الشاعر:
إنَّ الصَّنيعةَ لا تكونُ صنيعةً ... حتَّى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَعِ
فقال: هذا رجلٌ يريد أنْ يُبخِّلَ الناسَ، امْطُر المعروفَ مَطْراً فإن صادف موضعاً فهو الذي قصَدْتَ له، وإلا كنت أحقَّ به.
وبعد فهناك في هذا المعنى كما ترى مذهبان، فمذهب يرى إعطاء
المستحقّ وغير المستحقّ، الكريم واللئيم، الشاكر، والكافر: ويقول هذا المذهب - والقائل الشاعر محمود
الوراق:
فإمَّا كريمٌ صُنْتُ بالجودِ عِرْضَهُ ... وإمّا لئيمٌ صُنْتُ عن لُؤْمِه عِرْضي
وقال بعضهم: لأن أُخْطِئ باذلاً، أحبُّ إليّ من أن أصيبَ مانعاً باذلاً ومانعاً: حالان من فاعل أخطئ وأصيب.
ومذهب آخر يرى حرمانَ اللئام ومن يُستَضَرُّ بإعطائه، قال قائلهم: اتقوا صولةَ الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. وقالوا: اللئيم يزداد بالعُرْفِ خَبالاً، كما يزداد المريضُ من كثرة الطعام وبالاً، خبالاً: فساداً.
وقال شاعر:
ليس في مَنعِ غَيْرِ ذي الحَقِّ بُخْلُ
وقال الآخر:
ومَنْ يَصْنَعِ المعروفَ معْ غيرِ أهلِهِ ... يُلاقي كما لاقى مُجِيرُ امِّ عامرِ
وأخيراً قالوا - والقائل أبو العتاهية -:
إذا المالُ لم يُوجِبْ عليكَ عطاَءه ... صنيعةُ تقوى أو خليلٌ تُخالِفُهْ
منَعْتَ وبعضُ المَنْعِ حزمٌ وقوّةٌ ... ولم يبْتَذِلْكَ المالَ إلا حقائِقُهْ
وقال الحسن والحسين رضوان الله عليهما لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال! قال: بأبي أنتما، إن الله عوّدني أن يفضِّل عليَّ، وعوّدته أن أفضِّلَ على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنِّي...