بعد هذا القول، أراه عجيبين: طعامه لم يتغير، بينما حماره تفرقت عظامه ونخرت. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي: لم يتغير. وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ: كيف تفرقت عظامه ونخرت. وكيف يحييه الله وأنت تنظر. وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي: دليلا على المعاد، ودليلا على قدرة الله وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها أي كيف نحركها، ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً أي: ثم نكسو العظام لحما. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:
أي: فلما تبينت له قدرة الله، قال: أعلم علم يقين ورؤية، أن الله على كل شيء قدير، فلا يعجز الله شيء.
فائدة:
نلاحظ أن السياق قد استمر في الكلام عن الله، بالكلام عن قدرته على إحياء الموتى.
فالكلام عن إحياء الموتى يأتي في سياق الكلام عن الله عزّ وجل في هذه الآية والتي تليها، وفي هذا كله تذكير بالله، واليوم الآخر، لتأتي بعد ذلك آيات الإنفاق.
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
المعنى العام:
يقول تعالى: واذكروا إذ سأل إبراهيم ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى. وقال العلماء: إن
إبراهيم لم يسأل ذلك شكا، أو تعنتا، وإنما سأله؛ ليترقى بذلك من علم اليقين، إلى عين اليقين. وأن يرى ذلك مشاهدة بعد أن رآه إيمانا ويقينا. فسأله لله عزّ وجل - وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ: فأجابه بالإيجاب. وبين إبراهيم سبب السؤال - والله أعلم به - أنه يسأل ذلك ليزداد سكونا، وطمأنينة، فأمره الله عزّ وجل أن يأتى بأربعة طيور، فيقطعها، ويجزئها. وأن يجعل على كل جبل جزءا. قال ابن عباس: وأخذ رءوسهن بيده. ثم أمره الله عزّ وجل أن يدعوهن، كما أمره الله عزّ وجل.