ائتني ببيان ذلك، فدعا نمروذ برجلين من السِّجْنِ، فقتل أحدهما، وترك الآخر، قال: هذا بيان ذلك. قال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} ، أي: يطلعها كل يوم من المشرق {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ؛ أي: فأطلعْها ولو يومًا واحدًا من المغرب إنْ كنت صادقًا فيما تدعيه من الربوبية، قال له ذلك؛ لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. وكانوا أهل تنجيم. وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم. والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية؛ كتحريك الماء النملَ على الرحى إلى غير جهة حركة النمل، فقال: إن ربي يحرك الشمس قسرًا على غير حركتها، فإن كنت ربًّا فحرِّكْها بحركتها فهو أهون {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ؛ أي: تحير نمروذ وسكت بغير حجة، فبقي مغلوبًا لا يجد للحجة مقالًا، ولا للمسألة جوابًا، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ إشعارًا بأن تلك المحاجة كُفْر.
قراءة الجمهور: {فبُهت} مبنيًّا للمفعول، والفاعل المحذوف إبراهيم؛ إذ هو المناظِر له، فلما أتى بالحجة .. بهته بذلك وحيره وغلبه. ويحتمل أن يكون الفاعل المحذوف المصدرَ المفهوم من {قَالَ} ؛ أي: فحيره قول إبراهيم وبهته. وقرأ ابن السميفع شذوذًا: {فبَهت} بفتح الباء والهاء، والظاهر أنه متعدٍّ كقراءة الجمهور مبنيًّا للمفعول؛ أي: فبهَتَ إبراهيمُ الذي كفر، فـ {الَّذِي} في موضع نصب، وقيل المعنى: فبهَتَ الكافرُ إبراهيمَ، أي: سَبَّ وقذف إبراهيم حين انقطعت الحجة، ولم تكن له حيلة. ويحتمل أن يكون لازمًا، ويكون الذي كفر فاعلًا، والمعنى فبهت؛ أي: أتى بالبهتان وقرأ أبو حيوة شذوذًا: {فبَهُت} بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في بَهِت بكسر الهاء، وقرئ شذوذًا أيضًا فيما حكاه الأخفش {فبهِت} بكسر الهاء.