وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: سمعتُ نبيَّكم على أعواد المنبر وهو يقول:"مَنْ قرأ آية الكرسي في دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ .. لم يمنعْهُ من دخول الجنة إلا الموت"؛ أي: فإذا مات دخل الجنة، ولا يواظب عليها إلا صِدِّيقٌ أو عابدٌ، ومَنْ قرأها إذا أخذ مَضجِعه .. أُمِنَهُ على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات
256 -التي حوله. {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ؛ أي: لا إجبار على الدخول في دين الإِسلام؛ إذ الإكراهُ في الحقيقة: إِلْزَامُ الغيرِ فِعْلًا لا يَرى فيه خيرًا يَحْمِلُه عليه {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ؛ أي؛ قد تَميَّز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة؛ بكثرة الدلائل، والبراهين الساطعة. وقُرئ بسكون الشين، وبضمها، وبفتح الراء والشين، وكله عدا قراءة الجمهور شاذ، وقُرئ كذلك وبألف بعد الشين، وقُرئ بإدغام دال {قَد} في تاء {تَبَيَّنَ} لجميع القراء في المتواتر، وقُرئ بإظهارها شاذًا.
وقال الشوكاني: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوالٍ:
الأول: أنها منسوخةٌ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أكره العرب على دين الإِسلام، وقاتلهم، ولم يرضَ منهم إلا الإِسلام، والناسخُ لها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) } ، وقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين.
القول الثاني: أنها ليست بمنسوخةٍ، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإِسلام إذا أَدَّوا الجِزْية، بل الذين يكرهون هم: أهلُ الأوثان، فلا يُقبل منهم إلا الإِسلام، أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاكُ.