وقوله جلَّ قوله: (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6) . إلى
قوله جل قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ(7) . إلى قوله: حياة الأجسام،
وتلك حياة في حال الموت، وقد تقدم القول في إثباتها، ولخفائها يضطر عنه
قائم بها أن يقف بها وبحقائقها عن معهود العقول إلا بعد التثبيت والاعتصام
بهداية الله - عز وجل - .
قال إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ولأنه من
وراء الإيمان ومعهود العقول طلب لذلك مثلاً يطمئن إليه قلبه، فأراه الله جلَّ ذكره
مثلا وقف به على العلم بمطلوبه.
ثم قال له بعدما بين ما شاء من التبيين: (وَاعْلَمْ) مع هذا(أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ)لا يمتنع عليه ممتنع، ولا يعجزه في الأرض ولا في السماء
فائت، حكيم في فعله بما يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، يبقي حكم
هذا حال غيبة عينه، ويقدم حكم حال هذا حين ظهور عينه، ويخرج الحي من
الميت ويخرج الميت من الحي، وكل ذلك قد أحاط اختزانه له وعلمه به وأحصاه
كتابه، كذلك يخلق في حال الموت حياة، وفي حال الحياة موتًا.
(فصل)
اعلم - وفقنا الله إياك - أن أول ما تقدمه بين يديك نظرك في كتاب ربك عز
جلاله على نحو ما تقدم الإيمان، والإلقاء بالنفس بين يديه - عز وجل - ، والتبري من الحول
والقوة، فمتى ما ادعيت علما سواء ما هو علمكه أسلمك لنفسك ووكلك لصفاتك.
ثم اعلم - علمنا الله العليم الحكيم من علمه وأجزل حظنا من معرفته - أن
إبراهيم - عليه السلام - هو الذي قال فيه الله - عز وجل -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51) .
وقال جلَّ قوله فيها أيضًا: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) . فهو جلَّ ذكره لا يعلمه إلا من هناك، ولا بد له
من حيث أحله من معالم قد أراه إياها من ملكوته، وإنما تقدمت إليك لتأخذ أهبته،
وما لم يصل من معرفته أن الله خلق الدنيا نبذة من الآخرة صغيرًا من كبير، وقليلا،