قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» .. أي في علمهم بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ .. وَإِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ شَكَّهُ فِيمَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ .. وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا عَلَى مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ.
أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنِ امْتَرَى فِي ذَلِكَ: لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً» .
الآية وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِبُ بذلك غيره ..
وقيل: هو تقرير كقوله «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ .. مَا كُنْتَ فِي شَكٍّ .. فَاسْأَلْ تَزْدَدْ طُمَأْنِينَةً وَعِلْمًا إِلَى عِلْمِكَ وَيَقِينِكَ.
وَقِيلَ: إِنْ كُنْتَ تشك فيما شرفناك وفضّلناك به فاسألهم عَنْ صِفَتِكَ فِي الْكُتُبِ وَنَشْرِ فَضَائِلِكَ ..
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ الْمُرَادَ .. إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ غَيْرِكَ فِيمَا أَنْزَلْنَا.
فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» عَلَى قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ.
قُلْنَا: الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ..
مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَظُنَّ ذَلِكَ الرُّسُلُ بِرَبِّهَا .. وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا ظَنُّوا أنّ من وعدهم النصر من أتباعهم
كَذَّبُوهُمْ .. وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ضمير ظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ وَالْأُمَمِ لَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ..