وقرئ (نَنْشُرُها) بفتح النون وضم الشين، قال الفراء: كأنه ذهب إلى النَّشْر بعد الطي، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا، فإذا عاد حيًا صار كأنه نُشر بعد الطي.
وقال آخرون: يقال: نَشَر الميتُ ونَشَره اللهُ، مثل: حَسَرَتِ الدابةُ، وحَسَرْتُها أنا، وغاض الماء وغِضْتُه، قال العجاج:
كم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْسِ
وقرأ حمزة والكسائي نُنْشِزُها بالزاي على معنى: نرفع بعضها إلى بعض، وإنشاز الشيء: رَفْعُه، يقال: أَنْشَزْتُه فَنَشَزْ، أي: رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض: نَشْزٌ، ومنه: نشوز المرأة، وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة ولا تلائمه، وترتفع عن حد رضاه.
ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض.
وقال الأخفش: يقال: نَشَزْتُه وأَنْشَزْتُه، أي: رفعته.
وروي عن النخعي أنه كان يقرأ (نَنَشُزُها) بفتح النون وضم الشين والزاي.
وقوله تعالى: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وذلك أنه لما شهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيُّنَ الذي لا يجوز أن يعترض فيه إشكال، {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل، وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبًا.
وقرأ حمزة والكسائي: (قال اعلمْ) موصولًا مجزومًا على لفظ الأمر، وذلك أنه لما تبين له ما تبين نَزَّلَ نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطِبُ سِواها، وهذا مما تفعله العرب، يُنزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبي، فيخاطبها كما يخاطبه، ويجري التخاطب بينهما كما يجري بين الأجنبيين، قال الأعشى:
وَدِّع هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ