قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما حملت أم إبراهيم عليه السلام به قالت الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت أمه الليلة، فأمر بقتل الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يظفروا به فيقتلوه، فلما وضعته لفَّته في خرقة، وتركته في نهر يابس في حلفاء، ثم رجعت فأخبرت به بعلها، فانطلق إليه أبوه وحفر له سرباً، فواراه فيه، وسد عليه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، وكان يشب كل يوم كشهر، وكل شهر كسنة، فلما بلغ خمسة عشر شهراً قال لأمه: أخرجيني، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني، وأطعمني وسقاني لربي الذي لا إله غيره.
وقيل: مكث في السرب سبع سنين.
وقيل: ثلاث عشرة.
وقيل سبع عشرة.
ثم نظر في السماء فرأى كوكباً، فناظر أمه أو أباه في ألوهيته
وألوهية القمر والشمس حتى أبطلها.
وقيل: كانت هذه المناظرة مع قومه حين برز للناس فوجدهم يعبدون الكواكب، وناظر أباه في عبادة الأصنام، وكان أبوه يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم وينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا باتت عنده ذهب بها إلى نهر فضرب رؤوسها، فقال: اشربي استهزاءً بأبيه وقومه، وما هم عليه من الضلالة والجهالة.
وبالغ في نصيحتهم باللطف تارة، وبالعنف أخرى، وآخرًا تبرأ منهم.
وكان من مناظرته لهم في عبادة الأصنام أن قال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) } [سورة الأنبياء: 52 - 54] ؛ أي: في خطأ بيِّن {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) } [سورة الأنبياء: 55 - 57] .