وفي سورة الأنبياء 51 - 73 تقرأ حواره مع السلطة والقوة التنفيذية.
وفي سورة الصافات 83 - 98، حواره الكاشف عن غفلتهم، إذ يعبدون ما ينحتون.
وهناك حوار خامس له أهميته الخاصة؛ لأنه مع رأس السلطة وهو ملك البلاد، تقرأه في سورة البقرة: 258.
ومن هذا العرض الموجز يتبين أن ذكر القرآن حوار إبراهيم لم يكن تكرارا لموضوع واحد، في مواضع متعددة، كما ظن المعترضون، في شبهاتهم، فهو مرة مع نفسه، ومرة مع أبيه، وهو صانع أصنامهم، ورأس من رءوس قومه الكافرين، ومرة مع السلطة القضائية والتنفيذية، يقيم عليها الحجة العقلية الكاشفة، حتى إنهم ليعترفون ببطلان ما يعبدون، ثم نكسوا على رءوسهم خضوعا للتقليد الأعمى. ومرة يبين أن
إبراهيم على ملة الدين الحق الذي جاء به رسول اللَّه نوح، ويبين لقومه وأبيه بالدليل العملي الواقعي بطلان ما يعبدون، وكاشفا عن غفلتهم إذ يعبدون ما ينحتون، وليس هناك غفلة في الاعتقاد أشد من أن يصنع الإنسان شيئا بيديه، ثم يسميه إلها يعبده.
نجد أن هذه الحوارات في مواضعها المتعددة تمثل - إذا جمعت - حوارا واحدًا
متكامل الأجزاء، يذكر القرآن منها، في كل موضع، ما يناسب سياق الموضع، وليس ذاك تكرارًا للفكرة الواحدة؛ إذ ليس في القرآن تكرارٌ أصلا، كما أن ليس فيه ما يسمى في علم النحو العربي، بعطف التفسير، فمن ظن في القرآن تكرارًا يعيبه به فإنما أتى هو من قبل سوء فهمه للقرآن.
ثم يأبى له سوء فهمه إلا أن يكشف عن عورته لمن يتهمهم.
هذا وسوف يأتي لهذه المسألة مزيد بيان في الإجابة عن
شبهتهم السادسة.