(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ذيلت هذه الآية الكريمة بهذه الجملة السامية للإشارة إلى أن المؤمنين عدول إذا قاتلوا الكافرين؛ لأنهم هم الذين اعتدوا، وإلى أن الذي يقع بهم من عقاب يوم القيامة يستحقونه، وإلى أنهم هم الذين حركوا ذلك الشر، وأنهم هم الذين أشعلوا نيران الحروب بالشر الذي كان في نفوسهم.
ثم إن الكافرين ليس ظلمهم فقط لغيرهم، بل ظلمهم لأنفسهم، لأنهم طمسوا قلوبهم، وجعلوا أنفسهم في شدة وبلاء، ثم هم ظالمون فيما بينهم؛ كبراؤهم يظلمون ضعافهم، وضعفاؤهم يظلمون أنفسهم، بالاستضعاف والحياة الهون بينهم، وظلموا أنفسهم بأن حرموها من سعادة الإيمان وبرد اليقين ونور الحق، ورضوان الله ونعمة الله (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ. . .) .
لكل هذه المعاني كانوا ظالمين، وقد أكد الله سبحانه وتعالى ظلمهم بالقَصْر، أي قصر الظلم عليهم؛ لأنه لَا ظالم غيرهم؛ وبالجملة الاسمية والضمير المنفصل.
هدانا الله إلى سبيل الحق والعدل والنور، إنه سميع مجيب الدعاء.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255)
اقتتل الذين جاءوا بعد النبيين كما بينت الآية السابقة، واختلفوا في تلك الحقيقة المقررة الثابتة التي دعا إليها النبيون منذ أول مبعوث رحمة للعالمين؛ ولقد ناسب أن يبين سبحانه بعد ذكر الخلاف ثم القتال ما جعله المشركون موضع خلاف، وهو في حقيقة الأمر فوق كل خلاف إن استقامت العقول، وسلمت الفطرة، ولم يُدَسِّ النفس في الشر نازغ الشيطان، ويضل ابن آدم حتى يطمس في قلبه نور البرهان.