إن الذي يضع خطة الرحلة للطريق كله ، هو الذي يدرك الطريق كله. والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق. بل هو محجوب عن اللحظة التالية. ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه! فأنى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول؟!
إنه إما الخبط والضلال والشرود. وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود. منهج الرسالات. ومنهج الرسل. ومنهج الفطر الموصولة بالوجود وخالق الوجود.
ولقد مضت الرسالات واحدة إثر واحدة ، تأخذ بيد البشرية وتمضي بها صعداً فِي الطريق على هدى وعلى نور. والبشرية تشرد من هنا وتشرد من هناك ؛ وتحيد عن النهج ، وتغفل حداء الرائد ؛ وتنحرف فترة ريثما يبعث إليها رائد جديد.
وفي كل مرة تتكشف لها الحقيقة الواحدة فِي صور مترقية ؛ تناسب تجاربها المتجددة حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة كان عهد الرشد العقلي قد أشرق. فجاءت الرسالة الأخيرة تخاطب العقل البشري بكليات الحقيقة كلها ؛ لتتابع البشرية خطواتها فِي ظل تلك الخطوط النهائية العريضة. وكانت خطوط الحقيقة الكبرى من الوضوح بحيث لا تحتاج بعد إلى رسالة جديدة. ويحسبها المفسرون المجددون على مدار القرون.
وبعد فإما أن تسير البشرية داخل هذا النطاق الشامل الذي يسعها دائماً ، ويسع نشاطها المتجدد المترقي ، ويصلها بالحقيقة المطلقة التي لا تصل إليها عن أي طريق آخر. وإما أن تشرد وتضل وتذهب بدداً فِي التيه! بعيداً عن معالم الطريق!
{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من كلم الله. ورفع بعضهم درجات. وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} ..