وما أسوق هذا الكلام لأن العلم الحديث يرى أنه قد أدرك ظاهرة أو ظاهرتين من ظواهر الوحدة الكونية. فالعلم يثبت أو ينفي فِي ميدانه. وكل ما يصل إليه من"الحقائق"نسبي جزئي مقيد ؛ فهو لا يملك أن يصل أبداً إلى حقيقة واحدة نهائية مطلقة. فضلاً على أن نظريات العلم قُلَّب ، يكذب بعضها بعضاً ، ويعدِّل بعضها بعضاً.
وما ذكرت شيئاً عن وحدة التكوين ووحدة الحركة لأقرن إليهما صدق الاستقبال لوحدة الناموس فِي حس الرسل.. كلا.. إنما قصدت إلى أمر آخر. قصدت إلى تحديد مصدر التلقي المعتمد لتكوين التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود.
إن الكشف العلمي ربما يكون قد اهتدى إلى بعض الظواهر الكونية المتعلقة بحقيقة الوحدة الكبرى.
.هذه الوحدة التي لمست حس الرسل من قبل فِي محيطها الواسع الشامل المباشر. والتي أدركتها الفطرة اللدنية إدراكاً كاملاً شاملاً مباشراً. وهذه الفطرة صادقة بذاتها - سواء اهتدت نظريات العلم الحديث إلى بعض الظواهر أو لم تهتد - فنظريات العلم موضع بحث ومراجعة من العلم ذاته. وهي ليست ثابتة أولاً. ثم إنها ليست نهائية ولا مطلقة أخيراً. فلا تصلح إذن أن تقاس بها صحة الرسالة. فالمقياس لا بد أن يكون ثابتاً وأن يكون مطلقاً. ومن هنا تكون الرسالة هي المقياس الثابت المطلق الوحيد.
وينشأ عن هذه الحقيقة حقيقة أخرى ذات أهمية قصوى..
إن هذه الطبائع الخاصة الموصولة بناموس الوجود صلة مباشرة ، هي التي تملك أن ترسم للبشرية اتجاهها الشامل. اتجاهها الذي يتسق مع فطرة الكون وقوانينه الثابتة وناموسه المطرد. هي التي تتلقى مباشرة وحي الله. فلا تخطئ ولا تضل ، ولا تكذب ولا تكتم. ولا تحجبها عوامل الزمان والمكان عن الحقيقة ؛ لأنها تتلقى هذه الحقيقة عن الله ، الذي لا زمان عنده ولا مكان.