إن قوة هذا الدين وسلامة قواعده وتنوع أساليبه أوجدت مجالًا خصبًا للحوار والحرية والإبداع في المجتمع المسلم. وإن من يأخذون ببعض النصوص من الكتاب أو السنة ويريدون تطبيقها في معاملة غير المسلمين يخطئون في فهم منهج الإسلام وطبيعته، فالواجب أن تؤخذ نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة كاملة، وتقرر معاملة المسلم مع غيره في ضوئها وعلى هديها، وفي القرآن العظيم آيات لا تحصر في الأمر بالبر والصلة والإحسان والعدل والقسط والوفاء بالعهد، والنصوص في ذلك مطلقة تستوعب كل أحد؛ بل إن نصوص الإحسان تشمل حتى الحيوان وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (5) ، وقال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } (البقرة: 195) ، وقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83) ، وفي ظل هذا المفهوم العام للإحسان كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملة غير المسلمين.
الوجه الخامس: موقف الإسلام من أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية.
جرى العرف الإسلامي على تسمية المواطنين من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي باسم أهل الذمة، أو الذميين.
والذمة كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك؛ لأن لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم بناء على عقد الذمة، فهذه الذمة تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا الجنسية السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم.
فالذمي على هذا الأساس من أهل دار الإسلام، كما يعبر الفقهاء (2) أو من حاملي الجنسية الإسلامية كما يعبر المعاصرون.