المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كالاختلاف في الأذان، وتكبير الجنائز، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك من فرعيات وليس هذا باختلاف، إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف.
فمن أخذ بهذا أو ذاك لم يأثم، لا يتعايررن ولا يتعاييون.
وأنت ترى ذلك عيانا، وتشهد عليه تبيانا.
والاختلاف الآخر: كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، مع إجماعنا على
أصل التنزيل.
فإن كان الذي أوحشك هذا، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع
التوراة والإنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين
جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات.
وينبغي عليك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها.
ولو شاء الله أن ينزل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل.
ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية.
ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت
المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل.
وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتد: أشهد ألا إله إلا الله، وأنه واحد لا ند له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وأن محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا!!
فأقبل المأمون على جلسائه.
فقال: احفظوا عليه عرضه، ولا تبروه في يومه، كيلا
يقول عدوه: إنه أسلم رغبة وطمعا، ولا تنسوا بعدُ نصيبكم من بره، وتأنيسه، ونصرته، والعائدة عليه.
28 -ولو ذهبنا نحلل هذا الحوار لطال بنا الاستنباط، فيما يتعلق بآداب الإسلام، وشريعته، وطبيعة مجتمعه ..
ولكن حسبنا من ذلك القليل من الكثير:
تأمل قول الخليفة: أحب إليَّ أن أبقي حياتك. . لم يكن بالخلفاء رغبة في الدماء، بل كان حفظ الحياة بحق أحب إليهم من القتل بحق.
إنهما حقان لكنهم تركوا حقا إلى حق هو أحق منه وأحب.
وتأمل رغبة الخليفة في براءته عن الرغبة في اتهامه وتأمل سؤاله عن الشيء الذي أوحشه من الإسلام.
إنه بذلك يفتح بابا من العلاج النفساني، حيث يفضي مريضه
بما في خاصة نفسه، وهذا يضفي عليه نوعا من الأمان، يجعله صريحا في عرض شبهته، مما يأخذ بيده إلى الجواب الصحيح.