قال حسين الخادم: وكان إلى جانبي يزيد بن حلوان القناني، فقال:
يا أبا خالد ما أرى هذا الأعرابيّ قصد غيرك، ولا أراد سواك، فصدّق ظنّه،
وأبلغ به أمنيته. فقلت: نعم يأبا عبد الله، انهض بنا، فنهض ونهضت والأعرابيّ ثالثنا، حتى دخلنا على الأمير طوق بن مالك، فسلّمنا عليه، وأنشده الأعرابيّ:
يا طوق، إنّ الزّمان حار بني ... وكنت في إخوة وأخوال
وفي رجال مثل البدور وفي ... قوم إلى ثروة وأموال
فلم تزل بي صروفه وبهم ... تنقل * من حالة إلى حال
فاستلب المال من يدي وعدا ... على رجالي عدو ربيال
حتى دعيت «الغريب في ال ... أرض والمسكين» بعد كثرة المال
فقلت: من لي وللزّمان؟ ومن ... يصدق ظنّي به وآمالي؟
فقيل: طوق بن مالك ملك النّاس ومأوى الطّريد والجالي
طوق إذا عاذ واستعاذ به الملهوف أضحى بموضع الوالي فجئت يا طوق عائذا بك من ... شرّ الزمان وسوء أعمالي
قال: فضحك طوق، وقال: يا أعرابيّ، أمّا شرّ زمانك فقد بدا لنا من قبيح حالتك، فما سوء أعمالك؟ قال: أصلح الله الأمير، والعزبة والغربة، فقال طوق: نكد وشؤم، ثم أمر له بجائزة وجارية وخلع ودابّة، وانصرف إلى أهله على أحسن حال.
قال عبد الله بن المعتزّ:
لا صاحبتني يد لم تغن ألف يد ... ولم تردّ القنا حمر الخياشيم
بادر بجودك بادر قبل عائقة ... فإنّ وعد الفتى عندي من اللّوم
لما احتضر محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة رحمهما الله حضره الهاشميّون، وأطاف به غرماؤه، فقال لهم حسن بن حسن رحمهما الله: أنا أضمن ما عليه، قالوا: لا نريد، دع ما لنا يكون مكانه. فقال له عليّ بن الحسين رحمهما الله: أتحبّ أن أضمنه لهم؟ قال: نعم، قال: أفتحبّ أن أقضيه وأنت حيّ؟ قال: وددت. قال: فانصرف إلى مال كان عنده، أودعه إياه مروان بن الحكم، فقال: ما يمنعني أن أحوّل هذا المال وأضمنه؟! فقضاهم، فلما أسرع فيه أتاه كتاب عبد الملك بن مروان: إنّ مروان قد توفي، وأوصى:
أنه قد أودعك مالا وأنه قد سوّغك إباه.
دخل طرمّاح بن حكيم الطائيّ على خالد بن عبد الله القسريّ، فقال له: أنشدني بعض شعرك، فأنشده:
وشيّبني ما لا أزال مناهضا ... بغير غنى أسموبه وأبوع
وإنّ رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع؟!
فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له: اعص الآن وأطع.