الفاضح؟ قال: أصلح الله الأمير، الدّين الفادح: خمس مائة دينار، أخذتها في سنين سغبة، فوصلت بها الأرحام، وأطعمت بها الطّعام، ابتغاء الأجر، واكتساب الشّكر، حتى أجلتني عن البلد الرّحب، وحملتني على المسلك الصّعب، وأمّا الفقر الفاضح: فاغتراب وانفراد، ووحدانية وعيال كثيرة من بنين وبنات وأخوات وأمّهات مصونات، طالما صنتهنّ من الحرّ والقرّ، فهدّمهنّ الدّهر، وكشفهنّ الفقر، بعد عزّ وامتناع، وخدم وأتباع، وظلف
وكراع، أفناه الضّيف والسّيف، فأقبلت أجرّهنّ من الصّحصحان
حفاة عراة جياعا، كلّما عثرت إحداهنّ هتفت باسمك: «يا يزيد» حتى نزلت بهنّ في هذا الشّعب وأومى بيده إلى الجبل ثم أتيتك، أيّها الأمير، ولي فيهنّ بنية صغيرة، وقد قالت في الأمير أبياتا، وحمّلتنيها إليه، وأقسمت عليّ بحقّه أن أنشده إياها، فقال يزيد: ما قالت الصّبيّة؟ قال: هي التي تقول:
ليس ينفي حوادث الدّهر عنّا ... وخطوب الزّمان إلّا يزيد
سيّد أجمعت عليه معدّ ... فله في أمورها الإقليد
ملك يرتجى نداه ويخشى ... بأسه في الوغى، قريب بعيد
لا يجير الملوك منه طريدا ... وإذا ما أجار عزّ الطّريد
فدع الصّحصحان واقصد يزيدا ... فلنا في جواره ما نريد
قال: فقال يزيد: أي والله يا أعرابيّ، إنّ لك ولها في جوارنا ما تريد، هل يقضي دينك ويسدّ فقرك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا والله أصلح الله الأمير ولا مثلها، قال: هي لك عندي، وللجارية مثلها، ثم صرفه معه إلى داره، وأمر له بثمانين ألف درهم.
وعن حسين الخادم، قال: بينا أنا ذات يوم في مسجد الرّحبة في يوم
جمعة، والناس بين راكع وساجد من بعد صلاة الظّهر، إذ مثل بين يديّ غلام أعرابيّ حسن الوجه حدث السّنّ في أطمار خلقة، كالقضيب الذّابل، يقلّب في فكّيه لسانا أبين من الصّبح، وأحلى من الشّهد، فكان في بعض ما سمعته منه:
«أيّها الناس، إنّ الفقر أقامني لديكم مقام المذنب إليكم، وقد انغلق عليّ فيه باب الشّكر، فافتحوا لي باب العذر، رحمكم الله، فلقد أحسن الذي يقول:
كأنّ فقيرا حين يغدو لحاجة ... إلى كلّ من يلقى من النّاس مذنب
والله إني لأنفر من منن اللّئام نفور الوحش من زئير الأسد، وإنما قصدت هذا الملك السّيّد، الذي زيّنته أفعاله، وشرّفته أحواله، فنفّرني بوّابه وتنكّرلي حجّابه، فخرجت في يومي هذا إلى عامّتكم ملتمسا منكم رجلا عربيّا تقيّا نقيّا هبرزيّا يكون سببا لي إليه».