لا تقف مهمة الرسل عند بيان الحقِّ وإبلاغه، بل عليهم دعوة النّاس إلى الأخذ بدعوتِهم والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولاً وعملاً ( [2] ) ؛ لأنّه لا بدّ من تعليم النّاس الطريقة الصحيحة لعبادة الله تعالى كما شرعها سبحانه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] ، وقد بذلت الرسل في سبيل دعوة النّاس جهودًا عظيمة جدًا، وهذا نبيُّ الله نوح قضى تسعمائة وخمسين سنة يدعو قومه إلى عبادة الله، واستخدم في دعوته لهم كل الطرق وشتّى الوسائل، قال تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً (6) وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِى ءاذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح:5 - 9] ، ومع ذلك أخبر الله أنّه لم يؤمن معه إلاّ قليل: {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود:40] .
3 -التبشير والإنذار:
التبشير والإنذار اقترنا بدعوة الرسل، قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [الأنعام: 48] .
وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي، فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97] ، ويعدونَهم بالعزّ والتمكين والأمن {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} [النور:55] .