وهذا الرسول الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب صلى الله عليه وسلم يأتِي بما يعجز عنه الإنس والجنّ، وقد حوى الأخبار الماضية والآتية، وما تحار منه العقول قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48] . فكلّ من أنكر رسالته فهو مكابرٌ أعظم المكابرة، كما كانت قريشٌ تجحد صدق الرسول، وهم موقنون بأمره قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، ووصلت بِهم السفاهة إلى الزعم بأنّ الذي يأتِي محمدًا صلى الله عليه وسلم بِهذا العلم حدادٌ رومي كان بمكة فقال تعالى: {لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
5 -نصر الله وتأييده لهم:
تأييد الله لرسله ونصرته لهم وحفظه إيّاهم دليلٌ يحيل أيّ احتمال لكذبِهم، فإنّ العقول لا تقبل أن تتصوَّر مدعيًا للنبوة كاذبًا في دعواه وهو مع ذلك يرسل الله ملائكته لنصرته، ويستجيب دعاءه إذا دعاه، إنّ هذا لا يتصور من ملِك من الملوك، فكيف بخالق الأرض والسموات، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الاستدلال حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [يونس:69] فحكم بعدم فلاحه، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ r لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ s ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة:44 - 46] .
وهذا مسيلمة والأسود العنسي قطع الله دابرهما، وانتقم منهما، وانظر إلى المسيح الدجال، كيف كان الأنبياء يحذرون منه، فهو رجلٌ أعور، مكتوبٌ بين عينه كافر.
( [1] ) البخاري في المناقب، باب هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه (3906) من حديث عائشة رضي الله عنها.
( [2] ) مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين (1775) من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
( [3] ) مسلم في صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله تعالى:"إنّ الإنسان ليطغى" (2797) .
( [4] ) الرسل والرسالات (ص: 166) .